جديد الموقع

قريبا قريبا
| | | |

الاسـتـبـداد الـدعـوي
( 1 صوت )

تعليق : 0 / شارك بتعليقك عدد الزيارات 551 زيارة 25/01/2011 : تاريخ أحمد الصويّان : الكاتب

 

 


الاسـتـبـداد الـدعـوي


 


يقال في اللغة: استبد برأيه، يعني: انفرد به والاستبداد صفة من صفات التسلـط وفرض الرأي بالقوة، وهو يقتضي تكميم الأفواه، وقطع الألسن؛ فلا تتحدث إلا في مجـال محدود لا تتجاوزه وبطريقة معينة لا تتغير.. بل ينطلق الاستبداد أحياناً ليحجر على أفكار الإنسان وخواطره، بل أنفاسه وزفراته واعجباً لك..إذا كان هذا هو الاستبداد عندك، فكيف تتجرأ على وصف الدعاة بذلك معاذ الله! فـلـيـس هــذا حـكـمــاً عاماً يتساوى فيه جميع الدعاة، ولكن بعضنا قد يأخذ بنصيب وافر أحياناً من هذه الصفة، وهذه الشريحة الدعوية لا ينبغي إغفالها أو تجاهلها، والاستبداد الدعوي إن صح التعبـيـر مـمـارســة تربوية ذات أبـعـاد خطيـرة، تقتل ملكات الإبداع والإنتاج، وتعطل الطاقات لذا كان لزامـــاً عـلـيـنــا أن نسلط الضوء عليها بجرأة، لعلاجها والتخلص منها وذكر الحقيقة كاملة قد يتبعها مرارة وحزن، ولكنها تنتهي بـالـسـعـادة، وقـــد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: »المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقـطـع الوسخ إلا بـنـوع مــن الـخـشــونـــة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين«أرأيت إلى ذلك المربي الذي لا يُحـب أن يسمع رأياً غير رأيه، ولا يرضى باقتراح أو نصح من أحد، فإذا تكلّم؛ فَمَن حوله سكوت، وإذا أشار؛فالناس له تبع، أتباعه ومريدوه حقهم السمع والطاعة، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الخير والشر مفهوم الشورى عنده: إخبار الآخــــرين بما يرى، فإن وافقوه فبها ونعمت، وإن خالفوه، فالشورى مُعلمة لا ملزمة.
إذا نظر إلى وجه مريده طأطأ المريد رأســـــه حياءً وخجلاً، واحمر وجهه وفرقع أصابعه؛ حتى إذا اشتد عوده، واستوى ساقه، أصبح بارعاً في اجترار الأفكار، وترديد الكلمات، لا يباريه أحد في فن التقليد، ليس له عقل يفكر فقد ضمر وتآكل مع طول العجز، واستفحال المرض، أقرب الأمثال إلى عقله: (مــن قـلّد عالماً لقي الله سالماً)، ولماذا يفكر ويجهد ذهنه، ويضيع وقته وبين يديه شيخه الجهبذ الذي أبصر الحقائق، وأدرك الأمور، وانكشفت له المعضلات..؟!
من أنت حتى تستشار أو تبدي رأياً..؟!
ومن أنت أصلاً حتى تفكر وتتأمل..؟!
أرأيتم كيف نمارس الاستبداد الدعوي..؟!
أرأيت إلى طالب العلم الذي يظن أنّ رأيــه هو عين الحق الذي لاحق غيره ولا يحق لأحد أن يخالفه أو يعترض عليه، اجتهاده قاطــع لكل اختلاف، ورأيه جامع لكل خير، فهو البحر الذي تجتمع عنده الأنهر، والوادي الذي تصب فيه الشُعَب..!
إذا خالفه أحد ضاق صدره، واضطربت نفـسـه، وتـزلـزت أقـدامــــه، وإذا أفاق من هول الصدمة، سلّ سيوفه مستعداً للمبارزة والطعان، دون أن ينظر أحق هو أم باطل.
كل مـخـالـف لـه مبـطـل .. مـهـمـا كــان دلـيـلـه..!
وكـل مـعـارض لـه مـفسد .. مـهـمـا كـانت حجته..!
همه أن يتلقى عنه الأتباع، ومراده أن يستمع له الناس، كل تقليد مـذمــوم إلا تقليده..! أحكامه صارمة قاطعة، لا تقبل المناقشة أو المحاورة، ومن لم يقبل هذه الأفـكـار فلينطح برأسه الجدار..!
جلوا صارماً، وتلوا باطلاً    وقالوا صدقـنا؟ فقلنا: نعم!
أرأيتم كيف نمارس الاستبداد العلمي..؟!
أرأيتم كيف توأد الأفكار، وتخنـق الأصــــوات، وتحطم ملكات الإبداع والإنتاج، ويربى الخانعون..؟! أخزى الله الاستبداد، فكم قــتـل من الطاقات وكم قطع من طرقٍ للتصحيح والتغيير كان السلف الصالح والأئمة الأخيار يختلفون فيقول قائلهم: »جائز ما قلتَ أنت، وجائز ما قلتُ أنا، وكلانا نجم يهتدى به فلا علينا شيء من اختلافنا«ويقول الآخر: »ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة؟«أما نحن إذا اختلفنا، فلسان حالنا: (ما أريكم إلا ما أرى إن مصادرة آراء الآخرين، وغلق الأبواب فـي وجـوهـهــم؛ يجعل جذور الخطأ تمتد إلى الأعماق، ثم يصعب تصحيحها أو على الأقل تخفيفها؛ ولهـذا فنحن نحتاج إلى ترويض ومتابعة؛ لكي نتعلم كيف نقدّر الرأي الآخر، وننجو من مصادرة عقول الآخرين، والمنهج الشرعي يقتضي أن نقطع في الأمور القطعية التي قطع بها الـسـلـف الصالح، وأما المسائل الاجتهادية في فروع العلم سواء في الفقهيات، أو في فروع العمل الــدعـوي المتجددة فالأمر فيها واسع ولله الحمد والمنّة، والاختلاف فيها أمر وارد لم يسلم منه جيل الصحابة رضي الله عنهم وما وسعهم يسعنا، وما قد يكون واضحاً عندك، قد لا يكون كذلك عند غيرك، وما يتبيّن لك صوابه الآن قد يتبيّن لك خطؤه غداً؛ لأمر ينقدح في ذهنك، ولهذا تواتر عن علمائنا وأئمتنا أنهم يقولون في المسألة الفرعية الواحدة قولاً، ثم يقولون بخلافه بعد ذلك وها هو ذا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يريد أن يحمل الناس على كتاب الإمام مالك بن أنس الموطأ، ويوحدهم على رأي، فيقول له الإمام مالك: »لا تفعل فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من قبل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وغـيــــرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار كل بلد لأنفسهم«. قـــــال الحـافظ ابن عبدالبر القرطبي: »وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم«ورحم الله الإمام الشاطبي حيث يقول: »فإن الله حكم بحكمته أن تكون فروع الـمـلـة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النُظّار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عــــادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف«إن الاستبداد خصلة لا يعجز عنها أحد في الغالب، وهو دليل على العجز والضعف. ولكن فتح أبواب المشورة، والتراجع عن الخطأ، واتساع الصدر للرأي المخالف، منزلة لا يرقى إليها إلا عباد الله المخلصون.

 

 

  ابلغ عن وصلة لاتعمل   
: شارك الموضوع إلى
اضيف بواسطة :   Memo       رتبته (   الادارة )

التعليقات : 0 تعليق      

تنويه : الرجاء عدم استخدام برنامج ( الفايرفوكس ) عند اضافة التعليق حتى يظهر بشكل سليم
اسمك
ايميلك
تعليقك
9 + 5 = أدخل الناتج



تصميم العبويني المكتبة الاسلامية : برمجة الأخ بشير النعيسة