المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توبةحداد


سراب الذكريات
10-13-2013, 11:45 AM
توبةحداد

نقل الحسن البصري انّه قال:مررت
في سوق الحدادين ببغداد ، فوقع
بصري على حداد يمد يده في الكورة ،
ويمسك الحديد اﻷحمر الذائب بدون ان
يشعر بحرارته ، ويضعه على السندان
ويطرقه بالمطرقة ، ويخرجه بأي
شكل يشاء..وعند مشاهدتي لهذا
اﻷمر العجيب ، وجدت في نفسي
رغبة لسؤاله ، فتقدمت اليه وسلمت
عليه فرد عليًّ السﻼم ، فسألته:ايها
السيّد..!اﻻّ تؤذيك نار الكورة ، حر
الحديد ال...مذاب ؟..قال:ﻻ. ...قلت:
وكيف ؟..
قال:مرت علينا هنا ايام من القحط
والجوع..أما انا فكنت قد خزنت كلّ
شيء..وجائتني ذات يوم امراة وجيهة
الطلعة حسنة الصورة وقالت:يا
رجل..!ان لي ايتاماً صغاراًَ يتضورون
جوعاً ، وهم بحاجة إلى قليل من
الطعام ، واطلب منك ان تهبني شيئاً
من الحنطة في سبيل الله ، وﻻنقاذ
حياة هؤﻻء الصبية..وبما انني فتنت
بجمالها من خﻼل نظرة واحدة ، قلت
لها:إذا كنت تريدين الحنطة فيجب ان
اقضي منك حاجتي..غضبت المرأة
لهذا الكﻼم واعرضت عني وذهبت.
وفي اليوم التالي
عادت اليًّ باكية وكررت ما طلبته في
اليوم اﻻول ، فأعدت عليها ما كنت قد
طلبته منها..فعادت ادراجها صفر
اليدين..وجاءتني في اليوم الثالث
وهي غاية اﻷسى وقالت:ان أطفالي
على وشك الموت ، فارجوا ان تنقذهم
من الجوع والموت..فكررت عليها
طلبي.ويبدو ان الجوع انهكها فلم
تعد لها قدرة على المقاومة.
وعلى كلّ فانّها حين اقتربت مني كانت
تقول:ارحمني ايها الرجل انا
واطفالي..!فنحن جياع وبحاجة إلى
قليل من الطعام.فقلت لها:أيتها
المرأة ﻻ تضيّعي وقتي سدىً ، تعالي
اقضي منك حاجتي واعطيك الحنطة.
وعندها اكثرت من البكاء وقالت:انني
لم ارتكب قط هذا العمل الحرام،
ولكني مضطرة اﻵن لتلبية طلبك
ﻻنني وأطفالي ما ذقنا الطعام منذ
ثﻼثة ايام ، ولكن لي عليك شرط.
فقلت:ماهو شرطك ؟..قالت:ان
تأخذني إلى مكان ﻻ يرانا فيه احد.
يقول الحداد:فوافقت على طلبها
واخليت لها الدار..وما ان دنوت
ﻻقضي حاجتي منها رأيتها تضطرب ،
وقالت:لم كذبت عليًّ ولم تفي لي
بالشرط؟..قلت:واي شرط هذا ؟..
قالت:ألم تعاهدني على أن تأخذني
إلى مكان ﻻ يرانا فيه أحد ؟..قلت:
نعم ، أليس هذا المكان خالٍ ؟..
قالت:وكيف هو خالٍ وفيه خمسة
يشهدوننا وهم:الله الذي يعلم خائنة
اﻻعين وما تخفي الصدور ، والملكان
الموكّﻼن بك ، والملكان الموكّﻼن
بي ، هؤﻻء كلّهم حاضرون ويشاهدون
عملنا ، ومع هذا أراك واهم ان ﻻ يرانا
هنا.خف ربّك يا رجل ، واصرف
شهوتك عنّي ، يصرف عنك حرّ النّار.
تنّبهت من كﻼمها هذا ، وفكرت مع
نفسي وقلت:ان هذه المراة مع ما
بها من جوع وضيق تخاف ربّها إلى
هذه الدرجة ، وانا ﻻ اخشى مع كلّ
هذه النعم التي منًّ بها عليًّ ؟..
تبت إلى ربي من ساعتي تلك ، وتركت
المرأة واعطيتها ما ارادت واذنت لها
باﻻنصراف..ولما رأت هذا الموقف
منّي رفعت طرفها إلى السماء
وقالت:اللهم..!كما صرف هذا الرجل
شهوته عني ، اصرف عنه حر النار في
الدنيا واﻵخرة..ومنذ تلك اللحظة التي
دعت لي المرأة فيها بهذا الدعاء صرت
ﻻ اشعر بحر النار .